محمد بن جرير الطبري
47
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فيحييهم قوله ، ويكلم الحجارة فتفهم قوله ويأمرها فتطيعه . قال أليفز : عظيم ما تقول يا أيوب ، إن الجلود لتقشعر من ذكر ما تقول ، إن ما أصابك ما أصابك بغير ذنب أذنبته ، مثل هذه الحدة وهذا القول أنزلك هذه المنزلة ؛ عظمت خطيئتك ، وكثر طلابك ، وغصبت أهل الأموال على أموالهم ، فلبست وهم عراة ، وأكلت وهم جياع ، وحبست عن الضعيف بابك ، وعن الجائع طعامك ، وعن المحتاج معروفك ، وأسررت ذلك وأخفيته في بيتك ، وأظهرت أعمالا كنا نراك تعملها ، فظننت أن الله لا يجزيك إلا على ما ظهر منك ، وظنت أن الله لا يطلع على ما غيبت في بيتك ، وكيف لا يطلع على ذلك وهو يعلم ما غيبت الأرضون وما تحت الظلمات والهواء ؟ قال أيوب صلى الله عليه وسلم : إن تكلمت لم ينفعني الكلام ، وإن سكت لم تعذروني قد وقع علي كيدي ، وأسخطت ربي بخطيئتي ، وأشمت أعدائي ، وأمكنتهم من عنقي ، وجعلتني للبلاء غرضا ، وجعلتني للفتنة نصبا ؛ لم تنفسني مع ذلك ، ولكن أتبعني ببلاء على إثر بلاء . ألم أكن للغريب دارا ، وللمسكين قرارا ، ولليتيم وليا ، وللأرملة قيما ؟ ما رأيت غريبا إلا كنت له دارا مكان داره وقرارا مكان قراره ، ولا رأيت مسكينا إلا كنت له مالا مكان ماله وأهلا مكان أهله ، وما رأيت يتيما إلا كنت له أبا مكان أبيه ، وما رأيت أيما إلا كنت لها قيما ترضى قيامه . وأنا عبد ذليل ، إن أحسنت لم يكن لي كلام بإحسان ، لأن المن لربي وليس لي ، وإن أسأت فبيده عقوبتي ؛ وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله ، فكيف يحمله ضعفي ؟ قال أليفز : أتحاج الله يا أيوب في أمره ، أم تريد أن تناصفه وأنت خاطئ ، أو تبرئها وأنت غير بريء ؟ خلق السماوات والأرض بالحق ، وأحصى ما فيهما من الخلق ، فكيف لا يعلم ما أسررت ، وكيف لا يعلم ما عملت فيجزيك به ؟ وضع الله ملائكة صفوفا حول عرشه وعلى أرجاء سماواته ، ثم احتجب بالنور ، فأبصارهم عنه كليلة ، وقوتهم عنه ضعيفة ، وعزيزهم عنه ذليل ، وأنت تزعم أن لو خاصمك وأدلى إلى الحكم معك ، وهل تراه فتناصفه ؟ أم هل تسمعه فتحاوره ؟ قد عرفنافيك قضاءه ، إنه من أراد أن يرتفع وضعه ، ومن اتضع له رفعه . قال أيوب صلى الله عليه وسلم : إن أهلكني فمن ذا الذي يعرض له في عبده ويسأله عن أمره ؟ لا يرد غضبه شيء إلا رحمته ، ولا ينفع عبده إلا التضرع له قال : رب أقبل علي برحمتك ، وأعلمني ما ذنبي الذي أذنبت أو لأي شيء صرفت وجهك الكريم عني ، وجعلتني لك مثل العدو وقد كنت تكرمني ؟ ليس يغيب عنك شيء ؛ تحصي قطر الأمطار وورق الأشجار وذر التراب ، أصبح جلدي كالثوب العفن ، بأيه أمسكت سقط في يدي ، فهب لي قربانا من عندك ، وفرجا من بلائي ، بالقدرة التي تبعث موتى العباد وتنشر بها ميت البلاد ، ولا تهلكني بغير أن تعلمني ما ذنبي ، ولا تفسد عمل يديك وإن كنت غنيا عني ليس ينبغي في حكمك ظلم ، ولا في نقمتك عجل ، وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف ، وإنما يعجل من يخاف الفوت ؛ ولا تذكرني خطئي وذنوبي ، اذكر كيف خلقتني من طين فجعلتني مضغة ، ثم خلقت المضغة عظاما ، وكسوت العظام لحما وجلدا ، وجعلت العصب والعروق لذلك قواما وشدة ، وربيتني صغيرا ، ورزقتني كبيرا ، ثم حفظت عهدك